أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
59
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
وفي الحديث : « المعدة بيت الدّاء ، والحمية رأس الدّواء « 1 » » ، وكذلك القلب إذا قويت عليه الخواطر واستحوذ عليه الحس مرض ، وربما مات ولا ينفعه إلا الحمية منها ، والفرار من مواطنها وهي الخلطة فإذا اعتزل عن الناس واستعمل الفكرة نجح دواؤه ، واستقام قلبه وإلا بقي سقيما حتى يلقى اللّه بقلب سقيم بالشك والخواطر الرديئة نسأل اللّه العافية . قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : أشرف المجالس الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد . وقال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : ثمار العزلة الظّفر بمواهب المنة ، وهي أربعة : كشف الغطاء وتنزل الرحمة وتحقق المحبة ولسان الصدق في الكلمة قال اللّه تعالى : فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا [ مريم : 49 ] انتهى . واعلم أن في الخلوة عشر فوائد : الأولى السلامة من آفات اللسان فإن من كان وحده لا يجد معه من يتكلم وقد قال عليه السلام : « رحم اللّه عبدا سكت فسلم ، أو تكلّم فغنم « 2 » » ولا يسلم في الغالب من آفاته إلا من آثر الخلوة على الاجتماع . وقال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي اللّه تعالى عنه : إذا رأيت الفقير يؤثر الخلوة على الاجتماع ، والصمت على الكلام ، والصيام على الشبع فاعلم أن حبجه قد عسل وإذا رأيته يؤثر الخلطة والكلام والشبع على ضدها فاعلم أن حبجه خاوي . وقال في القوت : وفي كثرة الكلام قلة الورع ، وعدم التقوى ، وطول الحساب ، ونشر الكتاب وكثرة الطالبين ، وتعلق المظلومين بالظالمين ، وكثرة الأشهاد من الكرام الكاتبين ، ودوام الإعراض عن الملك الكريم ، لأن الكلام مفتاح كبائر اللسان وفيه الكذب وفيه الغيبة والنميمة والزور والبهتان ثم قال : وفي الخبر : « أكثر خطايا ابن آدم في لسانه ، وأكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم خوضا في مالا يعني » انتهى .
--> ( 1 ) أورده القاري في المصنوع ( ص 172 ) ، والعجلوني في كشف الخفا ( 1 / 439 ) . ( 2 ) لم أقف عليه .